لو بدأت حديثي بالقول أني شخص غير أكول، قد يتفق مع كلامي أهلي، وبعض من أصدقائي، ويعارضني البعض الآخر، كما حول الحال في كل ما يتعلق بشخصي الطيب السخيف غير المفهوم.

لطالما كانت علاقتي بالأكل غير صحية، وسطحية، لم أكن يوما من أصحاب التعليقات اللاذعة، إن أعجبني الأكل أكلت، وإذا لم يعجبني تحججت بكوني قد أكلت منذ قليل لكني وافقت على الانضمام للسفرة احتراما للداعي.

وسوء التغذية في حياتي له آثار جمّة، أولها إصابتي بالأنيميا، ونقص الفيتامينات في جسدي، ونقص في الحديد، وعسر في الهضم، وقرحة في القولون، وهي قائمة يعرفها كل محبي أكل الشارع.

وأكل الشارع بالنسبة لي ليس في الإفطار فقط، بل إفطار وغداء وعشاء، وطوال حياتي في القاهرة المستمرة منذ 2015 وحتى الآن، لم أدخل المطبخ بغرض الطبخ أو صنع الطعام إلا مرات تعد على اليد الواحدة.

وكنت قد حاولت أكثر من مرة التعامل بألفة مع المطبخ، غير أن شيئا ما من الكسل، وسهولة الطلب عبر الهاتف والدفع عبر الإنترنت كانوا يدفعونني جميعا إلى مخاصمته.

أذكر ذات مرة أنني اشتريت فراخ بانيه (مجمدة)، وصنعت مكرونة بالصلصة في المنزل، واعتبرت ذلك طبخا إذ أعجبني الطعم، لكن حتى الأطعمة الجاهزة للتسوية كانت مضيعة للوقت بالنسبة لي، فانتهيت عن تلك الفكرة كغيرها.

ولي في تطبيقات طلب الأكل عبر الهاتف، ومطاعم القاهرة والجيزة صولات وجولات، أما عن المطاعم في الشارع فأنا من نوعية الأشخاص الذين يكتبون على محرك البحث “جوجل”: أفضل عشر مطاعم في القاهرة”، ويجربون تلك المطاعم واحدا تلو الآخر.

وبما إنني “ابن شارع” في الأكل، فلي قائمة من المطاعم اعتبرها أماكن موثوقة للطلب منها، غير أن الميزانية غالبا لا تصلح لتلك المطاعم إذ أنها من ذوات الأسعار المتضخمة، فالطلب منها يكون في أيام محدودة معروفة وهي آخر الشهر، إذ يصل الراتب لحسابي يوم 25، وأول الشهر مع ما تبقى منه. 

وهناك عدة مطاعم حجزت أمكنة بقلبي، وأولها “عثمانلي” بأكلته الشهيرة “Patlicanli Adana Kebap Plate” والمكونة من اللحم البقري المفروم، وبيوريه الباذنجان الشهي الذي لم أذق مثيلا له طوال حياتي.

و”عثمانلي” هو نقلة للأجواء التركية الشهيرة، بأغانيها ومشروباتها وودها وهدوء المكان وأسلوب العاملين به المميز، وموسيقاه الرائعة.

وبجانب ذلك هناك أيضا مطعم “كشري أبو طارق”، الذي ورغم آلام القولون لديّ إلا أنني دائما ما أجازف نظرا لنظافة الأكل هناك وحسن تجهيزه.

ويمكنني أن أقارن بين كشري أبو طارق وكشري “أبو السيد” في الزمالك، إلا أن طاجن لسان العصفور باللحم لدى الأخير لا يقارن، وأعتبره من أهم الأطعمة المفضلة لدي.

ولا تحتاج لعنوان مطعم “أبو السيد”، فقط امش قليلا في شارع 23 يوليو حتى يترامى إلى مسامعك أصوات أغاني محمد عبدالوهاب وفايزة أحمد وفريد الأطرش، وأصوات عربية إنجليزية ألمانية فرنسية إسبانية مختلطة، لتعرف حتما أنك في المكان الصحيح.

ومنذ اللحظة التي تطأ فيها قدمك المطعم، تجد مصر القديمة في الستينات والخمسينات، بتنوع قاطنيها، وموسيقاها الراقية الكلاسيكية، وألوانها المميزة، وصور فنانيها، مطعم أبو السيد تحفة فنية غفل عنها الزمن وأتمنى أن يظل الأمر كذلك.

وأنت تجلس في أبو السيد أنت في مكان جلس فيه كفافيس وداريل والملك فاروق ونجيب محفوظ وأحمد غنام (تبا لتواضعي)، وغيرهم.

ومن بين المطاعم التي أحبها أيضا “عيش وملح”، وحبي لهذا المكان خارج عن كونه مطعما، فبه شيء أكثر وهو الموسيقى، إذ يتميز المكان بحفلات موسيق الچاز.

وهناك أيضا مطاعم سبكترا بشكل عام، وسبكترا الشجرة بشكل خاص، وهي سلسلة المطاعم التي لديها مكانة في قلبي بالأطباق المميزة الرئيسية والسويت كورن الجانبي وشوربة كريمة الدچاچ، وفوندو الشوكولاتة.

والجزء التالي لن يميزه أبي ولا أمي، إذ اعتادوا مني طوال 30 عاما على عدم أكل السمك، لدرجة أن أمي كانت تطبخ مرتين في أي وقت يقررون به الأكل من خيرات البحر، مرة لهم ومرة لي. 

 لكني وبعد تفشي جائحة كورونا تغيرت ذائقتي، إذ أكلت السمك وأحببته وصار أساسيا بين وجباتي، كما أكلت الحمام (رمز السلام)، لكني لم أستسغه بعد محاولتين.

وعلاقتي بالسمك بدأت مع رحلاتي إلى الإسكندرية مع الصديق سيد الأبنودي، وكنا نذهب هناك إلى محلات السمك الكبرى ونطلب أنواعا كثيرة نأكل منها ما نشاء ويبقى ما يبقى.

ومع قلة السفر احتفظت بعادة أكل السمك في مطعم قدورة، لكن أسلوب الموظفين هناك دفعني للبحث عن بديل، وهو ما وجدته في مطعم “فلاينج فيش” بالعجوزة.

و”فلاينج فيش” هو أحد أعظم المطاعم التي دخلتها بحياتي، إذ أن اللطف هناك بلا سبب ولا داعي وسلوك أصحاب المكان الأصلي والعاملين معهم، منذ اللحظة التي تطأ قدمك فيها المكان تشعر بالراحة، والألفة، والرغبة في الأكل.

ومن بين الأماكن التي أحببتها أيضا “بول دور”، وهو مطعم الأكل اللبناني الذي كان موجودا في العجوزة، وكان أول أيامي بالمطعم في شهر رمضان بعد افتتاحه بفترة قصيرة، ولم يكن لدي طوال وقت الإفطار غير جملة واحدة “في عظمة بتحصل هنا”.

ومع الوقت ارتبطت بالمكان لعدة أسباب، أولها الفراخ “الشواية”، والراحة النفسية، وأغاني فيروز، وكالعادة روح العاملين هناك كانت رائعة، إلى أن توقف المكان عن العمل بعد سنة تقريبا لأسباب غير معروفة.

وهناك كذلك مطعم Steak Out المميز بشرائح اللحم المطهوة كما تفضلها أيا كانت الطريقة التي تفضلها.

وأخيرا من قائمة مطاعمي المفضلة مطعم “The Grill”، والذي قضيت به عيد ميلادي الأخير، وأحببت به البطاطس المعدة بطريقة مختلفة تماما، واللحم الطازچ والڤيو الرائع والهدوء الممتاز.

إضافة إلى ذلك، أذكر عدة مطاعم عدة لكني لم أحتفظ لها بأمكنة في قلبي نظرا لكونها مطاعم عادية، جيدة الأكل نعم؛ لكنها عادية بلا روح، مثل Meæt والبرنس، وصبحي كابر، والرفاعي، وبورتا دورو، وعنتر الكبابجي، وأوز باستا، وDerby Lounge (باستثناء ألعاب VR)، وبوتري كافيه (الزمالك).

Tags: